فخر الدين الرازي

71

تفسير الرازي

بأجمعهم ، فداود وسليمان كانا من أصحاب الشكر على النعمة ، وأيوب كان من أصحاب الصبر على البلاء ويوسف كان مستجمعاً لهاتين الحالتين . وموسى عليه السلام كان صاحب الشريعة القوية القاهرة والمعجزات الظاهرة ، وزكريا ، ويحيى ، وعيسى ، وإلياس ، كانوا أصحاب الزهد ، وإسماعيل كان صاحب الصدق ، ويونس صاحب التضرع ، فثبت إنه تعالى إنما ذكر كل واحد من هؤلاء الأنبياء لأن الغالب عليه كان خصلة معينة من خصال المدح والشرف ، ثم أنه تعالى لما ذكر الكل أمر محمداً عليه الصلاة والسلام بأن يقتدي بهم بأسرهم ، فكان التقدير كأنه تعالى أمر محمداً صلى الله عليه وسلم أن يجمع من خصال العبودية والطاعة كل الصفات التي كانت مفرقة فيهم بأجمعهم ولما أمره الله تعالى بذلك ، امتنع أن يقال : إنه قصر في تحصيلها ، فثبت أنه حصلها ، ومتى كان الأمر كذلك ، ثبت أنه اجتمع فيه من فصال الخير ما كان متفرقاً فبهم بإسرهم ، ومتى كان الأمر كذلك ، وجب أن يقال : إنه أفضل منهم بكليتهم . والله أعلم . المسألة الثالثة : قال الواحدي : قوله : * ( هدى الله ) * دليل على أنهم مخصوصون بالهدى ، لأنه لو هدى جميع المكلفين لم يكن لقوله : * ( أولئك الذين هدى الله ) * فائدة تخصيص . المسألة الرابعة : قال الواحدي : الاقتداء في اللغة إتيان الثاني بمثل فعل الأول لأجل أنه فعله . روى اللحياني عن الكسائي أنه قال : يقال لي بك قدوة وقدوة . المسألة الخامسة : قال الواحدي : قرأ ابن عامر * ( اقتده ) * بكسر الدال وبشم الهاء للكسر من غير بلوغ ياء ، والباقون * ( اقتده ) * ساكنة الهاء ، غير أن حمزة والكسائي يحذفانها في الوصل ويثبتانها في الوقف ، والباقون يثبتونها في الوصل والوقف . والحاصل : أنه حصل الإجماع على إثباتها في الوقف . قال الواحدي : الوجه الإثبات في الوقف والحذف في الوصل ، لأن هذه الهاء هاء وقعت في السكت بمنزلة همزة الوصل في الابتداء ، وذلك لأن الهاء للوقف ، كما أن همزة الوصل للابتداء بالساكن ، فكما لا تثبت الهمزة حال الوصل ، كذلك ينبغي أن لا تثبت الهاء إلا أن هؤلاء الذين أثبتوا راموا موافقة المصحف ، فإن الهاء ثابتة في الخط فكرهوا مخالفة الخط في حالتي الوقف والوصل فأثبتوا . وأما قراءة ابن عامر : فقال أبو بكر ومجاهد : هذا غلط ، لأن هذه الهاء هاء وقف ، فلا تعرب في حال من الأحوال ، وإنما تذكر ليظهر بها حركة ما قبلها . قال أبو علي الفارسي : ليس بغلط ، ووجهها أن تجعل الهاء كناية عن المصدر ، والتقدير : فبهداهم اقتد الاقتداء ، فيضمر الاقتداء لدلالة الفعل عليه ، وقياسه إذا وقف أن تسكن الهاء ، لأن هاء الضمير تسكن في الوقف ، كما تقول : اشتره . والله أعلم . أما قوله تعالى : * ( قل لا أسألكم عليه أجراً ) * فالمراد به أنه تعالى لما أمره بالاقتداء بهدى الأنبياء